أولا : مفاهيم عامة
عادة
ما يعقب التدخل العسكرى فى دولة أو مجتمع معين جهود شاملة لإعادة البناء
Nation Building، يتم بموجبها إعادة هيكلة مؤسسات الحكم فى إطار رؤية
سياسية واستراتيجية تحرص الدولة أو مجموعة الدول المشتركة فى عملية التدخل
على تحقيقها. وتعتبر عملية إعادة البناء من أعقد مهام السياسة الخارجية
للدولة القائمة بها، وأكثرها تكلفة، وتحتاج إلى سنين طويلة لتحقق الهدف
منها إذا حدث وصادفها النجاح. وتؤكد بعض تجارب الدول الكبرى عبر التاريخ،
أن تصدى هذه الدول لإعادة بناء دول أخرى وسط ظروف معينة لم تكن عملية
سهلة، برغم عظم قدراتها العسكرية والاقتصادية، وانتهت عملية إعادة البناء
فى حالات كثيرة إلى خيبة أمل، وفى بعض الحالات إلى انهيار كامل للدولة
المراد إعادة بنائها. ويشير تقرير اللجنة الدولية حول التدخل وسيادة
الدولة، الصادر فى ديسمبر 2001 بتكليف من كوفى أنان الأمين العام للأمم
المتحدة، تحت عنوان مسئولية إعادة البناء Responsibility to Rebuild، إلى
أنه فى الماضى وفى أغلب الأحوال لم يكن تقدير مسئولية إعادة البناء بعد
التدخل العسكرى كافيا، وكانت عملية الانسحاب من الدولة بعد احتلالها
عسكريا تُدار بطريقة سيئة، كما كان الالتزام الدولى بالمساعدة فى إعادة
البناء قاصرا. ويرتبط ضمان استمرار عملية إعادة البناء وإعادة التأهيل
بتوفير التمويل والموارد الكافية، كما يتطلب التعاون الوثيق مع المجتمع
الدولى والسكان المحليين، وربما يحتاج الأمر إلى بقاء القوة الخارجية
المسئولة عن التدخل لفترة من الزمن بعد تحقيق الأهداف الابتدائية.
وهناك
شرط مبدئى لوضع استراتيجية إعادة البناء لدولة معينة، يتمثل فى الفهم
المتكامل لما يجب أن تتضمنه العملية من لحظة انتهاء الحرب إلى مرحلة
استتباب السلام واستئناف التنمية. فعملية إعادة البناء ليست ببساطة تبديل
ما كان قائماً قبل نشوب الصراع، بل من واجب القائمين على العملية أن
يقيّموا الوضع الأنسب للدولة والمجتمع فى عالم اليوم وفى المستقبل، وقد
يتطلب ذلك تجديدا شاملا للأنظمة والبُنى التحتية، وقد يؤدى إلى معايير
بناء جديدة وتطلعات أكثر ارتقاءً من تلك التى كانت قائمة قبل الصراع. فعلى
سبيل المثال، شبكات الاتصالات العراقية التى دمرتها الحرب سيستبدل بها على
الأرجح أنظمة متطورة تتمتع بميزات التقنيات الحديثة فى صورة شبكة أكثر
كفاءة وتأثيرا عن سابقتها. ومن هنا يصبح الهدف الرئيسى لإعادة البناء
إقامة نظام سياسى، وبُنى تحتية مادية، ومؤسسات، وطاقة إنتاجية، من أجل
تأسيس قاعدة للاستقرار والتنمية المُستدامة.
ومما يُعتبر إحدى السمات
الهامة التى تميز عمليات إعادة البناء، تنسيق التعاون بين الهيئات المدنية
والعسكرية المشاركة. وفى أكثر الحالات تعقيدا، من الصومال إلى هايتى، إلى
البوسنة وكوسوفو، لم يتوقف دور الوحدات العسكرية عند المحافظة على الأمن،
بل امتد هذا الدور إلى وضع الأساس لإعادة بناء مجتمعات مزقتها الحروب من
خلال تقديم خبراتهم فى مجالات الإمداد، والهندسة، والشرطة، ودعم
الاحتياجات الإنسانية.
لقد أظهرت خبرة السنوات الخمسة عشر الماضية
الهوة الكبيرة بين المنظمات العسكرية والمدنية، ففى بعض الظروف كانت
الوحدات العسكرية تضطر للبقاء فى الميدان لفترات أطول وهى تمارس مهاما غير
عسكرية، والسبب ـ تحديدا - أنه ليست هناك هيئات مدنية جاهزة أو قادرة على
الانتشار للقيام بتلك النوعية من المهام. وللتعامل مع مثل هذا التحدى
العملياتى، بدأ التفكير فى ضرورة إنشاء قدرة مدنية للتحرك السريع، لملء
الفراغ فى مجال تقديم الدعم الفورى بعد الحرب مباشرة تمهيدا للبدء فى
إعادة البناء. وتضم هذه القدرة الأركان الأربعة لإعادة البناء بعد انتهاء
الحرب : الأمن - العدل والمصالحة - الحكم والمشاركة - والتنمية الاجتماعية
والاقتصادية. وهذا يعنى أنه فى الوقت الذى يحتفظ العسكريون بدور مركزى فى
الحفاظ على الأمن، فإن على الهيئات المدنية أن تشرع فى عملية طويلة لدفع
التنمية السياسية، التى سوف تحدد مستقبل أية دولة مزقتها الحروب.
وبالنظر
إلى الملاحظات السابقة وما تضمنته من مفاهيم، يكون التدخـل العسكرى
الأمريكــــى فى العراق قد تسبب فى نشوء التحدى المهم المتمثل فى إعادة
بناء البلاد. ومن الملاحظ أن الخطط التى وضعتها الإدارة الأمريكيـــة
لإعادة بناء العراق تختلف عن ممارساتها السابقة فى أماكن أخرى من العالم
فى عدد من الجوانــــب المهمة. فأولا، لم تكـــــن هناك حرب أهلية أو فوضى
سياسية واجتماعية فى العراق قبل عملية الغزو التى قادتها الولايـات
الأمريكيـة فى مارس 2003. حيث أن معظم الدمـــــار والفوضـــــى حدث فى
الحقيقة بسبب الحرب نفسها والفراغ الأمنى الذى أعقب العمليات
العسكريــــة. وثانيا، فإن الأمم المتحدة لا تلعب الدور القيادى فى
جهـــــود إعــــادة البناء وإقامة حكومة جديدة فى العــــراق. وثالثا،
وبالأخص فى المراحل المبكرة من العمليــة، أُسندت مسؤولية إعادة البناء
إلى وزارة الدفاع الأمريكيــــة وليس إلى منظمات مدنية داخل الإدارة
الأمريكية مثل وزارة الخارجية والوكالـــــة الأمريكية للتنميـــــــة
الدوليـــــــــة التابعــــــة لها (USAID).
وكانت إدارة الرئيس بوش
قد قدمت عددا من الأسباب لتبرر تدخلها العسكرى فى العراق، تتراوح بين
تغيير النظام، وتجريد العراق من أسلحة الدمار الشامل، إلى تحقيق الحرية
والديموقراطية للشعب العراقى لتنتشر من خلاله حسب رأيها إلى باقى دول
الشرق الأوسط. وقد ظهر من مجمل تخطيط الولايات المتحدة لفترة ما بعد
الحرب، أن أهدافها تتعدى كثيرا مجرد تجريد العراق من أسلحة الدمار الشامل،
وأن الولايات المتحدة قد خططت من البداية لمرحلة احتلال طويلة يمكن من
خلالها إحداث تغييرات هيكلية عميقة ليس فقط فى العراق بل فى منطقة الشرق
الأوسط كلها.
وعند مراجعة التجارب الأمريكية السابقة فى إعادة بناء دول
أخرى، وتقييم النتيجة، وهل انتهت إلى إقامة نظام ديموقراطى ناجح ومستقر؛
نجد أنه من بين 16 حالة يمكن الحكم على أربعة منها فقط بأنها كانت تجارب
ناجحة، وهى حالات اليـابـان (1945- 1952)، وألـمانيـــا الغربيــــة
(1945-1949)، وبنما 1989، وجزيرة جرينادا 1983. وطبقا لمقياس جامعة
ميرلاند، فقد استمرت الديموقراطية فى هذه البلاد لمدة عشر سنوات متصلة بعد
مغادرة القوات الأمريكية، أما الدول الإثنى عشر الأخرى - باستثناء
أفغانستان التى مازالت فى مراحلها الأولى ـ فإن الديموقراطية إما لم تبزغ
من البداية، أو بدأت ولم يتسنى لها أن تستمر خلال الفترة الزمنية نفسها.
والأسوأ من ذلك أن هذه البلاد قد تحولت إلى وضع متدهور، وصارت فريسة لحكم
الفرد والدكتاتورية والفساد.







» الهيئات المشاركة في صناعة السياسة الخارجية
» رسم السياسة العامة .... ومشاكلها
» ما هي حقيقة الصراع في دارفور... حقائق وأرقام
» توقيف البشير أم اعتقال السودان؟
» ماذا يعني اعتقال البشير .. وما الأسباب . وما النتائج ؟
» مجموعة غنية من المصطلحات السياسية
» قضية الصحراء وأزمة الاتحاد المغاربى
» عــــراق مـا بـعـد الـغـزو .. معضلات إعــادة الـبـنـــــاء
» ـ الدور الإسرائيلى فى البحيرات العظمى وشرق أفريقيا....ج3
» ـ الدور الإسرائيلى فى البحيرات العظمى وشرق أفريقيا..ج2
» ـ الدور الإسرائيلى فى البحيرات العظمى وشرق أفريقيا..ج1